د.شفيق طه النوباني - لا يخفى على متابع للحركة الأدبية في العالم العربي أثر ثورة الاتصالات الحديثة في الأدب، فهذه الثورة أسهمت في إحداث مخاض جديد قد يؤدي إلى تغييرات جذرية في البنية السياسية والاجتماعية في العالم العربي لن تكون بطبيعة الحال بمنأى عن حركة الأدب. ولعل مواقع التواصل الاجتماعي على وجه الخصوص هي الأكثر تأثيرا في الحركة الأدبية، خصوصا في وجهها التواصلي الاجتماعي بين الكتّاب والمهتمين بالشأن الأدبي.
لقد فتحت ثورة الاتصالات المجال واسعا أمام شريحة أوسع بكثير ممن يرغبون بعرض نتاجهم الأدبي على القراء، وإذا كانت المواقع الإلكترونية لا تفسح المجال لصناعة نجوم في هذا المجال إلا بمقدار ما تسمح به مؤسسات المجتمع في خارج الفضاء الإلكتروني، فإن شبكات التواصل الاجتماعي بأدواتها ومكوناتها تفسح المجال واسعا من أجل ذلك. حيث تتميز هذه المواقع بإمكانية تجاوز الاتصال الأدبي من خلال النص إلى تواصل اجتماعي يمكن أن يمتد من الفضاء الإلكتروني إلى الفضاء الإنساني الاجتماعي. وهكذا فإن الهالة الخاصة بكل شخصية إلكترونية يمكن صناعتها بالقليل من الفعل الاجتماعي وبالقليل أو الكثير من الفعل الأدبي، حيث تتوالى الإعجابات بالنصوص القصيرة المنشورة على الصفحات الخاصة بالكتّاب، ناهيك عما يدور من مناقشات وتعقيبات على هذه النصوص.
لن يكون هناك مجال في فضاء مواقع التواصل الاجتماعي للنصوص الطويلة التي تستغرق وقتا طويلا في القراءة، فالقارئ يمارس ليس فعلاً قرائيا فقط، بل فعلاً اجتماعيا يربط من خلاله المكتوب بالكاتب بتلقائية، فيكون فعل الحوار حول المكتوب طبيعيا وجذابا وتلقائيا أيضا. وسوف يحاول الكاتب أن يميل إلى البساطة في كتاباته بقدر ما سيحاول أن يكون مبدعا وعميقا في طرحه حتى يجتذب أكبر قدر من المعجبين والمناقشين لفكرته.
ومن ناحية أخرى، فإن الفعل الاجتماعي سيجعل جاذبية الأشخاص في كثير من الأحيان تفوق جاذبية الأدب، حيث تتمكن الشخصيات الجذابة والأكثر تفاعلا مع الآخرين من نيل أكبر قدر من المتابعات.
ولعل من أبرز تجليات نشاطات المواقع الاجتماعية تلك العلاقات والروابط التي تنعكس على أرض الواقع، ومن أمثلة ذلك «الرابطة الإلكترونية للأدباء والمفكرين الأردنيين»، وبعيدا عن مدى تواضع الاسم الذي اختاره مؤسسو الرابطة، استطاع هؤلاء أن ينقلوا جهودهم في مجال الأدب إلى أرض الواقع من خلال إجراء عدد من اللقاءات والنشاطات الثقافية. وقد اشترك كاتب هذه السطور مؤخرا في إحدى نشاطات هذه الرابطة، تمثّلَ في تحكيم مسابقة للقصة القصيرة جدا أعلنوا عنها من خلال صفحتهم على موقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك).
شارك في المسابقة ما يقرب من ستين مشاركا، وهو عدد كبير بالنسبة للكثير من المسابقات التي تعقدها المؤسسات الثقافية التي لا يتجاوز عدد المتسابقين فيها عدد أصابع اليدين، ولا شك في أن طبيعة مواقع التواصل الاجتماعي لها دور كبير في زيادة عدد المشاركين نتيجة لوجود عدد كبير من المشتركين في الموقع فضلا عن نشاط الرابطة نفسها، فإمكانية الإعلان عن المسابقة سهلة، وإمكانية المشاركة فيها سهلة أيضا.
لم يأت اختيار جنس القصة القصيرة جدا في المسابقة عبثا، حيث تتسم القصة القصيرة جدا بسمة القصر المناسبة لمواقع التواصل الاجتماعي، وإن كان القارئ سيجد عددا من المشاركات التي لا تمت بصلة للقصة، فسوف يجد تجارب أدبية ناضجة ومتميزة، كما سيجد تجارب تحتاج إلى القليل من الرعاية والاطلاع لتكون تجارب متميزة وناضجة، والحقيقة أن كثيرا من هذه التجارب ما كانت لتخرج إلى النور لولا إمكانية ذلك من خلال مواقع التواصل الاجتماعي.
قدمت سونا بدير قصة مكتملة من الناحية الفنية، حيث جاءت قصة «تعا ولا تجي» لتقدم تجربة الانتظار وانعكاساته العاطفية والإنسانية، أما قصة تابرو عبود «ذكريات» فقد دمجت بين فعل اللعب وفعل الحياة من خلال مفارقة عميقة تقود في رؤيتها إلى ضيق العالم الذي نحياه إلى درجة أنه لا يتجاوز لعبة كلعبة «المونوبولي».
وقد عبّرت قصة روان عبد الله عن قدرة فنية على سبك النص والتقاط ملامح الشخصيات وتصويرها، أما قصة أحمد الغلاييني «مخابرات»، فقد استطاع من خلالها أن يلتقط المفارقة بما يشير إلى العمق الإنساني للشخصية التي تمارس فعل الاضطهاد. وفي قصة حسين الفاعوري «أمنية بطل» ولوج إلى جوهر شخصية البطل من خلال مفارقة لطيفة. فالوجود الأدبي للبطل لم يكن ليحقق له أي وجود في الواقع.
ومع أن قصة حسن الحلبي احتوت بعض الجمل التقريرية إلا أنها تناولت مفارقة عميقة في بعدها الإنساني عبر أمنية الطفل مقطوع اليدين بتناول الطعام بالشوكة والسكّين. وقد برزت العاطفة في قصة عبير إبراهيم «مرايا النساء/ فرج» من خلال لغة منسابة، غير أنها تناولت فكرة انتحار الزوجة بسبب الظلم الذي وقع عليها من زوجها من دون أن تتناول الظروف التي أدت إلى هذه النهاية، حيث لم تبرز الشخصية بصورة توضح ملامحها، كما لم تبرز الأحداث بما يبني حبكة معينة.
يجد قارئ هذه القصص تجارب تستحق الإشارة، مما يوجب التنويه إليها بما يحث كتّابها على متابعة الكتابة في هذا المجال، كما هي الحال في قصص حنين أبو عوض وعلا السردي ومي القرشي ووسام عابد وتوفيق استيتية وحنان باشا وأحلام رمضان وأحمد شبانة وغيرهم من الكتّاب الذين لم يخوضوا تجربة الكتابة إلا من خلال (فيس بوك)، فبرزت كتاباتهم بحرفيّة خاصة تبرز قدرتهم على كتابة نصوص لا يتجاوز طول الواحد منها ثلاثة أسطر بلغة متماسكة تنم عن قدرة على التقاط المفارقات.
إن إمكانية إبراز هذه المواهب الإبداعية من خلال مواقع التواصل الاجتماعي تستدعي حث المؤسسات الثقافية على توظيف هذه المواقع في نشاطاتها الثقافية المتنوعة بما يثري هذه النشاطات، وبما يعزز المواهب من أجل استمرارها.

الجمعة 2013-07-05