محمد خروب

يقولون إننا نعيش في قرية عالمية بفضل ثورة الاتصالات والمعلومات وتلك الرقمية التي اخذت عالمنا إلى مربعات ومساحات وفضاءات لم يكن أكثر الحالمين واخصبهم خيالاً، يتوقع أن تتم في عقود قصيرة، التي عاشتها شعوب المعمورة في السنوات الثلاثين الأخيرة وخصوصاً في عقديها الأخيرين..
هنا إذاً... تحضر شخصية فذة وشجاعة رابطة الجأش متماسكة وذات فهم سياسي عميق لطبيعة المعركة التي تخوضها معظم شعوب الأرض ضد الامبريالية والسياسات الرأسمالية وقوى الهيمنة والعدوان التي ما ان أُجبرت على التخلي عن استعمارها المباشر لمعظم بلدان إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، بعد نهب ثرواتها واذلال شعوبها والتنكيل بها، حتى لبست قناعاً آخر أكثر حداثة وإدعاء بالتنور ورطانة بحقوق الإنسان، من ذلك الدور البغيض التي تقمصته في شكلها القديم الذي كان سافراً ووقحاً ودموياً ومفتقراً إلى أدنى درجات الأخلاق والقانون والسلوك الإنساني...
الشخصية التي تحضر هي الرئيس الفنزويلي الذي اختطفه الموت قبل ساعات معدودات هوغو تشافيز، الأكثر شهرة وربما فضحاً وكشفاً لقوى الاستعمار الغربي الجديد، بل هو الذي «نازل» الغرب بـ»الأدوات» التي طالما احتكرها ومارس من خلالها أبشع أنواع الإيذاء والتشويه والنهب ضد شعوب وأنظمة لم تتبنى سياسات إفقار الشعوب ووصفات الصندوق والبنك الدوليين ودائماً في تحويل البلدان الأخرى وخصوصاً دول الجنوب (في أميركا اللاتينية وآسيا وإفريقيا) إلى قواعد لسلاح الجو الأميركي ومخازن لأسلحته وساحات تدريب لجنوده وأرض مستباحة لطائراته بدون طيار التي تفتك بالمدنيين وتنتهك سيادات الدول.
عندما برز اسم هوغو تشافيز في السنوات الأخيرة للقرن المنصرم، كان فيدل كاسترو هو الابرز والاشهر والمكروه «الأكبر» من قبل زعيمة العالم الحر (حتى لا ينسى احد) والتي فرضت عليه حصاراً، ها هو مستمر منذ ستين عاماً.. حتى الآن، لكن تشافيز اختطف الاضواء ليس لان كاسترو او التجربة الكوبية فقدت بريقها بل وهذا هو الاهم لان كاسترو هو نتاج الحرب الباردة واحد رموزها بل والذي كاد ان يتسبب في حرب عالمية ثالثة (او قل نووية في شكل اخر) عندما نصبت موسكو صواريخها على اراضي الجزيرة الكوبية في العام 1961 إلاّ ان خروتشوف وجون إف كيندي تداركا الامور وتوصلا الى صيغة حالت دون الوصول الى نقطة اللاعودة.
تشافيز من «عصر» اخر هو عصر «انتصار» الرأسمالية الذي وصف بانه نهاية التاريخ بعد ان لم يعد امام البشرية سوى الايمان بهذا «الدين» الجديد، لهذا كان بزوغ نجمه في فضاء الحديقة الخلفية للولايات المتحدة وبدء عهد استعادة (اقرأ تحرير) جمهوريات الموز (..) من ربقة الاحتكارات والنهب والهيمنة، مؤشرا على تغيير قواعد اللعبة ولكن ليس بالاساليب الثورية «التقليدية» عبر الذهاب الى الجبال والغابات وحمل السلاح واعلان التمرد المسلح او الثورة على انظمة الفساد والاستبداد التي اقامتها واشنطن في القارة الجنوبية ودعمتها بالسلاح وخبرات السي آي أيه وطاردت القوى اليسارية والديمقراطية حتى تلك التي قَبِلت المنافسة وفق «شروط» الديمقراطية الغربية، كما فعل سلفادور الليندي في تشيلي والذي انتهى اغتيالا في 11/9/1973 على يد السفاح بينوشيت بتخطيط السفارة الاميركية في سنتياغو، تشافيز لم يصعد الجبال وعندما قاد انقلابا عسكريا لم يحصد سوى الفشل والسجن، إلاّ انه استعاد جأشه وحكمته وتعامل مع «طموحه» بروح عالية من الشجاعة وكان صندوق «الاقتراع» هو الوسيلة التي ارتضاها وانصاره، كما جرت الحال مع دول اخرى في القارة اللاتينية وبدأت مسيرة اليسار الثوري المظفرة في معظم جمهوريات الموز (السابقة بالطبع) وهو امر شكّل صفعة لواشنطن ومنطقها الامبريالي، لأنها لا تريد لاعدائها ان يلتزموا قواعد اللعبة الديمقراطية بل تريدهم ان يكون في مرمى نيرانها وتحت وابل مواعظها المزيفة عن حقوق الانسان والديمقراطية كي تقود حروبا استباقية وكي تفشل أي تحول ديمقراطي بدعوى محاربة الارهاب ودائما كي تُبقي على انظمة الفساد التي اقامتها والدمى التي نَصّبتها.
رحيل تشافيز خسارة لا تعوض، لكن حسبه انه دخل التاريخ من اوسع ابوابه كابن بار لشعبه ولشعوب اميركا اللاتينية وكل قضايا التحرر العربي ورفضا للامبريالية والصهيونية (قطع علاقات بلاده الدبلوماسية والتجارية مع إسرائيل) وسياسات الرأسمالية المتوحشة، ومجدّد ورافع لراية البديل البوليفاري واشتراكية القرن الحادي والعشرين.
kharroub@jpf.com.jo

الخميس 2013-03-07