هو الحسين بن علي بن محمد بن عبد المعين بن عون، من أحفاد أبي نمي بن بركات الحسني الهاشمي، ولد في اسطنبول عام 1270هـ/ 1854م، وكان أبوه منفياً فيها، ثم انتقل معه إلى مكة المكرمة وعمره ثلاث سنوات. وتأدب فيها وتفقه ونظم الشعر، ومارس ركوب الخيل وصيد الضواري، وأحبه عمه الشريف عبدالله، أمير مكة، فأوكل إليه مهمات كثيرة وكبيرة، وقد دخل نجداً، وأحكم صلته بقبائلها. ثم توفي أبوه وعمّه، وآلت إمارة مكة إلى عمه الثاني عون الرفيق، فلم يحتمل عمه هذا تدخله في شؤون الإمارة التابعة للدولة العثمانية، وكان سبب هذا التدخل الذي جعل عمه ينفر منه هو أن الحسين الذي نشأ رجلاً مستقل التفكير، قلبه على أبناء شعبه، كان يعارض المظالم التي يرتكبها رجال الدولة العثمانية ضد الأحرار، وكان عمه عون الرفيق يتغاضى عنها. وقد كتب بعض رجال الدين شكاوى إلى السلطان ضد رجال الدولة وضد الشريف عون الرفيق، أمير مكة، واتهم هؤلاء الشريف الحسين بن علي بالتحريض على إرسال تلك الشكاوى، فأصدر السلطان العثماني أمراً بنفيه إلى إسطنبول، وذلك عام 1893م.
واستمرت إقامة الحسين بن علي في اسطنبول نحو ستة عشر عاماً (1893-1908م)، وعلى الرغم من أنها كانت إقامة جبرية وإكراه إلا أن الشريف كان يستقبل في منزله الأحرار من العرب للتباحث فيما هم فيه.
وكانت سنوات النفي التي أمضاها الشريف الحسين في اسطنبول سنوات تأمل واكتساب خبرة، تبلور خلالها تفكيره القومي والسياسي، وقد اتضح ذلك عندما عاد إلى الحجاز في كانون الأول 1908م، وهو العام الذي قام خلاله رجال جمعية الاتحاد والترقي بانقلابهم حتى على العثمانيين أنفسهم؛ إذ كانت تلك الجمعية جمعية عنصرية متشددة، تدعو إلى سيادة العنصر التركي، مما قلب أوضاع الدولة العثمانية الإسلامية التي يرأس الحكم فيها خليفة المسلمين إلى دولة عنصرية يقف على رأس الحكم فيها أعضاء جمعية الاتحاد والترقي الأتراك.

لقد أبلغ الشريف الحسين بن علي أعضاء جمعية الاتحاد والترقي في الحجاز عندما وصل إليها أن عليهم أن يتركوا السياسة لأصحابها وأن ينصرفوا إلى أداء أعمالهم، وكشف بذلك شخصيته وأسلوبه في ممارسة الحكم، وأظهر أنه ليس صديقاً للاتحاديين الذين ابتعدوا عن الإسلام وركبوا موجة العلمانية.
واتخذ الشريف الحسين سياسات ثابتة عندما تولى منصب إمارة مكة عام 1908م؛ فقد جعل همه أولاً توطيد مكانته ونفوذه، وعقد علاقات وثيقة مع أهل البلاد، وفي الوقت نفسه ظل موالياً للدولة العثمانية باعتبارها دولة الإسلام، وللسلطان العثماني باعتباره خليفة المسلمين. وكان ولاؤه للدولة العثمانية نابعاً من حرصه على وحدة المسلمين.
وعندما نشبت الحرب العالمية الأولى عام 1914م بين الحلفاء من جهة ودول الوسط من جهة أخرى، انضمت تركيا لدول الوسط في هذه الحرب، وطلبت من جميع الولايات التابعة لها الانضمام للحرب، كما طلبت من الشريف الحسين إعلان الجهاد باسم السلطان محمد الخامس(محمد رشاد)، وإعداد قوات من المتطوعين العرب وإرسالهم إلى سوريا. وقد حاول الشريف الحسين إقناع تركيا بعدم الدخول في هذه الحرب إدراكاً منه أن انتصار الحلفاء يعني وقوع العرب تحت الاستعمار الغربي، وأن انتصار دول الوسط يعني أن تقع البلاد العربية فريسة للتتريك. وقبل أن تدخل الدولة العثمانية الحرب إلى جانب ألمانيا أرسل الشريف الحسين رسالة سرية إلى السلطان محمد رشاد عام 1914م جاء فيها:
« إن الانضمام إلى ألمانيا في الحرب ضد الدول الكبرى فرنسا وبريطانيا وروسيا ليس في صالح الدولة العثمانية، وأهل البلاد العربية ليسوا منظمين ولا يملكون السلاح سيما وأن الدولة العثمانية ضعيفة ».
وتحوّل الحجاز إلى ملتقى الضباط والقادة العسكريين والمناضلين العرب الذين جاءوا من أقطار عربية شتى للدخول في حركة نضالية ضد تركيا الاتحادية التي انحرفت عن مسار الدولة العثمانية، واعتمدت سياسة التتريك الشاملة، وبذلك وضعت حداً فاصلاً بينها وبين العرب على أساس النزوع القومي لدى جمعية الاتحاد والترقي التي تسلم أعضاؤها الحكم في نهاية حكم الدولة العثمانية، وخاصة أن الحكومة الاتحادية في تركيا شنت حملة تصفيات ضد القادة العرب من عسكريين وسياسيين وأدباء ومفكرين على أمل إخماد بؤر السخط والتوتر المضطرمة في أرجاء مختلفة من البلاد العربية.
ولجأت الحكومة الاتحادية إلى القوة لفرض إرادتها على المناطق الخاضعة لسيطرة الدولة العثمانية، ولكن مالبثت أن جوبهت تلك القوة القاهرة بقوة رفض عربية مضادة قادها الشريف الحسين بن علي، الذي عرف بقوة إرادته وصلابته ورجاحة فكره. وبعد أن تلقّى ضمانات من بريطانيا بأنها ستدعمه من أجل تحقيق الاستقلال العربي، بدأ الشريف يولي الداخل العربي والإسلامي اهتماماً خاصاً للحصول على الدعم الشعبي والجماهيري، وللتعرف على حجم المساندة الفعلية لشعب الشام والعراق في حالة نشوب الثورة.
والجدير بالذكر أنه أصدر بياناً إلى الأمة الإسلامية عام 1916م يستحثها على مساندة المطالب العربية العادلة ضد الأتراك ودعم مشروع الاستقلال العربي. ويشرح هذا البيان القضية العربية، ويوضح الأسباب التي تدفعه إلى العمل على تغيير الواقع السياسي الذي حاول الاتحاديون فرضه. ونظرا لأهمية هذا البيان وشموله نورده فيما يلي:

بسم الله الرحمن الرحيم
منشور عام من شريف مكة وأميرها، إلى جميع إخوانه المسلمين: « ربّنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ».
كل من له إلمام بالتاريخ يعلم أن أمراء مكة المكرمة هم أول من اعترف بالدولة العليّة من حكام المسلمين وأمرائهم رغبة منهم في جمع كلمة المسلمين وإحكاماً لعرى أخوتهم لتمسك سلاطينها من (آل عثمان) العظام، طاب ثراهم وجعل تعالى دار الخلد مثواهم، بعروة الإيمان بكتاب الله ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، ولبناء أحكام دولتهم على الشريعة الغراء، ولنفس تلك الغاية السامية الرفيعة، مازال الأمراء المشار إليهم يحافظون عليها، حتى أنني حملت بالعرب على العرب بذاتي في سنة سبع وعشرين وثلاثمئة وألف، أثناء حصار أبها، محافظة على شرف الدولة، وفي السنة التي تلتها كان مثل هذه الحركة تحت قيادة أبنائي إلى غير ذلك مما هو في هذا المعنى وكما هو مشهود ومعهود – إلى أن نشأت في الدولة جمعية الاتحاد، وتولت إلى القبض على إدارتها وجميع شؤونها بقوة الثورة، فحادوا بها عن صراط الدين ومنهج الشرع القويم، ومهدوا السبل للمروق منه واحتقار أئمته وسلبوا شوكة السلطان المعظم ما له من حق التصرف الشرعي والقانوني أيضاً، وجعلوه هو ومجلس الأمة ومجلس الوكلاء منفذين للقرارات السرية لجمعيتهم الثورية، وأسرفوا في أموال الدولة وحملوها الديون الفاحشة التي لا يخفى أمر خطرها ووخامة عاقبتها على أحد، وأضاعوا عدة ممالك كبيرة من ممالكها، ومزقوا شمل الأمة العثمانية بمحاولة جعل شعوبها كلها تركية بالقوة القاهرة، فأوقعوا بينها وبين العنصر الذي أرادوا تسويده عليها وإدغامها فيه العداوة والبغضاء وخصوا العرب ولغتهم بالاضطهاد.
ولم يكتفوا بذلك كله حتى خاضوا بالدولة والأمة غمرات هذه الحرب الأوروبية الساحقة الماحقة، فوقفوا بالدولة موقف الهلكة وألقوا بأيديهم إلى التهلكة واستنزفوا باسمها ثروة الأمة كما استنزفوا قبله ثروة الدولة، ثم اتخذوها ذريعة للفتك بجميع المخالفين لرأيهم في سياستهم الخرقاء وإدارتهم الظالمة وللتنكيل بالعرب خاصة، حتى إن حرم الله، سبحانه وتعالى، وحرم رسوله الأعظم ، صلى الله عليه وسلم، لم يسلما من شرهم فإنهم عرضوهما للخوف والجوع والخراب.
أما انحرافهم عن صراط الدين، فلا نأخذ فيه هنا بمجرد ما اشتهر عن زعمائهم من الكفر والإلحاد في الصحف الإسلامية والأوروبية، ولا بما نعلم من سوء اعتقاد جمهور علماء الأستانة وغيرهم فيهم، بل نأخذ فيهم بأقوالهم وأفعالهم. فمن باب الأقوال ما نشروه في دار السلطنة من الكتب والصحف التي جاهرت في الطعن بالإسلام وانتقاص ما عظم الله تعالى من قدر خاتم رسله وقدر خلفائه الراشدين الكرام، ككتاب (قوم جديد)، الذي اشتهر بما فيه من الكفر والضلال والإضلال، وتحريف نصوص الكتاب العزيز، والسنة السنيّة، ومجلة (اجتهاد) التي شوّهت أجمل سيرة في الخلق وأشرفها، وهي سيرة المصطفى، صلوات الله عليه وسلامه، ولا يمكن أن تنشر أمثال هذه المطبوعات في دار السلطنة على مرأى ومسمع من شيخ إسلامها وعلمائها، ومن رجال السلطنة ووزرائها، لولا أن الجمعية هي الناشرة لها. وما بالنا نرى من ينتقد جمعيتهم، ولو بحق، يعاقبونه بالقتل أو النفي أو السجن المؤبد، ومن يطعن في دين الله وصفوة خلقه يعزز ويكرم؟!
ومن باب الأفعال، أنهم أبطلوا ما كان محتماً على تلاميذ المدرسة الحربية وغيرها، وعلى جميع العسكر من التزام الصلاة، فجعلوا الصلاة في نظامهم العسكري اختيارية غير واجبة، توسلاً بذلك إلى إبطالها بالفعل، وقد جعل كتاب (قوم جديد) لدينهم أركاناً لا صلاة فيها ولا صيام ولا حج، ثم جاءت أوامرهم في أثناء هذه الحرب إلى الجنود المقيمين في مثل المدينة المنورة أو مكة المكرمة أو الشام تحتم عليهم الإفطار في رمضان بعلة المساواة بينهم وبين الجنود الذين يقاتلون في حدود الروس ولفقوا أقاويل لمعارضة النص الصحيح الذي لا يقبل التأويل وهو قوله عز وجل: (فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدّة من أيام أخر) ، بل شرعوا في إبطال أحكام الشريعة المنصوصة في القرآن الكريم المجمع عليها المعلومة من الدين بالضرورة، وقد يعد من هذا القبيل ما ورد أخيراً إلى قاضي محكمة مكة الشرعية، بأن لا يحكم إلا بالشهادة التي تحررت في محكمته وبين يديه، وألا يلتفت إلى الشهادات التي يكتبها المسلمون في ما بينهم غير مبالين في آية سورة البقرة، ومنه استحلالهم لقتل المسلمين والذميين بغير محاكمة شرعية ولا حكم، أو بأحكام عرفية ما أنزل الله بها من سلطان، واستحلال مصادرتهم وسلب أموالهم وإخراجهم من ديارهم، وسيأتي شيء من شواهد ذلك في المنشور، ولا يمكن هنا إحصاء جرائمهم ولا بدعهم وإحداثهم في الإسلام، ومن أغربها مشروع سجلات المستشفعين الذي قرره شيخ إسلامهم السابق وأصدر به إرادات سنيّة ببيع الشفاعة النبوية لطالبها بليرة عثمانية وكتابة أسماء المشترين للشفاعة في سجلات تودع في الحرم النبوي الشريف.
وأما سلبهم ما للسلطان المعظم من حق الإشراف الشرعي وكذا القانوني فهو لا يجهله أحد من أهل العاصمة وأهل المعرفة في جميع أقطار المملكة ولا من الأجانب أيضاً حتى إنه لا قدرة له على اختيار رئيس الكتاب (المابين) في سلطته الشريفة ولا رئيس خاصته المبجلة المنيفة، فضلاً عن اختيار الصدر الأعظم وشيخ الإسلام، فضلاً عن النظر في أمور المسلمين ومصالح العباد والبلاد، وقد أسقطوا بهذا بقايا شروط الخلافة التي يطالب بها المسلمون كافة؛ إذ يجب على المسلمين أن يكون لهم إمام (خليفة) شرعي مستقل، قادر على التصرف في إقامة الشرع ورفع لواء العدل.
وأما إسرافهم في أموال الدولة، وإرهاقها بالقروض الفاحشة، فأمره معلوم للخاصة والعامة، وكذلك إضاعتهم لعدة ممالك من الدولة كمملكتي البوسنة والهرسك والممالك الألبانية والمقدونية وطرابلس الغرب وبرقة، وكذلك إثارة الأحقاد الجنسية الممزقة لشمل الأمة العثمانية، وبهذه السياسة السيئة أضاعوا المملكة الألبانية، وفقدوا الشعب الأرنؤوطي الباسل الذي كان سياجاً للدولة أمام البلقان. وهذه حملتهم على ما اشتهر خبره في هذه الأيام من الفتك بالأرمن من رجال ونساء وأطفال، وأين هذا إن صح عشر معشاره من قول الرسول الأعظم، صلى الله عليه وسلم: (من آذى ذمياً، فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة)، رواه الخطيب في التاريخ من حديث ابن مسعود. وفي التوصية بحفظ حقوق أهل الذمة والعهد، أحاديث في الصحاح والسنن، ومن الأحاديث المخيفة في هذا الباب ما رواه الطبراني من حديث جابر: (إذا ظلم أهل الذمة، كانت الدولة دولة العدو)، وإن كان في سنده ضعف فإن متنه في غاية القوة تؤيده السنن الاجتماعية.
وأما ما خصوا به العرب ولغتهم من الاضطهاد، فهو أعظم ما جنوه على الدين والدولة من الفساد: حاولوا قتل اللغة العربية في جميع الولايات العثمانية بإبطالها من المدارس ومنعها من الدواوين والمحاكم وأصدروا في ذلك أوامر كثيرة لقيت من مبعوثي العرب معارضات شديدة ونفروا عنها في كتبهم الجديدة، وألفوا لذلك الجمعيات الكثيرة، ولا يخفى أن قتل اللغة العربية قتل للإسلام نفسه، فالإسلام في الحقيقة دين عربي بمعنى أن كتابه أنزل باللغة العربية، وجعل متعبداً بتلاوته وتدبره وفهمه، لا بمعنى أنه خاص للعرب، فمن المعلوم من الدين بالضرورة أنه عام لجميع الأمم، وقد قال الله في سورة الرعد: (وكذلك أنزلناه حكماً عربياً).
وقد أمكنتهم فرصة إعلانهم الأحكام العرفية في البلاد من تنفيذ كل ما يريدون في العرب فطفقوا يقتلون ويصلبون كبراء ونوابغ رجال النهضة العربية، الذين اشتهروا بغيرتهم على الأمة والدولة من أرباب المعارف والأفكار وحملة الأقلام وبارعي الضباط، وآخر ما وصل إلينا من بلاغاتهم الرسمية في ذلك، أنهم صلبوا في الشام (21) رجلاً في آن واحد منهم شفيق بك المؤيد والسيد عبدالحميد الزهراوي والضابط الكبير سليم بك الجزائري والأمير عارف الشهابي وعبد الغني العريسي وشكري بك العسلي وعبد الوهاب بك الإنكليزي وتوفيق بك البساط، وإنه ليصعب على كثير من ذوي القلوب القاسية إزهاق مثل هذا العدد الكبير من الأنفس لأجل الانتقام ولو كانت من الدواب أو بهيمة الأنعام ، وإنما يقتلون أمثال هؤلاء جهراً ويصلبونهم في الشوارع العامة صلباً حتى لا يطمع عربي بأن يقول بعدهم إن لغتنا لغة الإسلام فيجب على الدولة الإسلامية الكبرى مساعدتنا على حفظها وإن لنا في المملكة حقوقاً شرعية وقانونية يجب علينا المطالبة بها، وأما من يقتلون رمياً بالرصاص بعلل عسكرية ومن يقتلون اغتيالاً في السجون والشوارع فلا سبيل إلى العلم بأخبارهم إلا إجمالاً، وإنه ليعز على كل إنسان أن يرضى لقومه أو لغيرهم من أبناء جنسه بأن تكون دماؤهم مهينة غير محترمة إلى هذا الحد. وقد عظم الإسلام أمر احترام الدماء، وجعل من يتعمد القتل خالدا في النار.
ثم إنهم صادروا أموال عدد لا يحصى من الناس، وعمدوا إلى كثير من الأسر (العائلات) الغنية أو المغضوب عليها لأسباب سياسية، فأخرجوهم من أموالهم وديارهم وعقارهم وأبعدوا نساءً وأطفالاً إلى بلاد الأناضول بلا كافل شرعي، فهتكوا حرمة المخدرات من النساء المؤمنات اللواتي لا يعرفن السياسة وعرّضوا أطفالهن للهلاك بين أيديهن في الطريق الطويل الذي لا يجدن فيه من القوت والأسباب الواقية من البرد أو الحر، والله تعالى يقول: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) ، والظاهر أن الغرض من هذا أن يكون من يسلم من الهلاك من هؤلاء النساء والأطفال كالإماء والعبيد للأتراك في الأناضول، ولابد من أن ينسى الأطفال لغتهم هناك، فيكونوا أتراكاً تعمر بهم بلاد الترك، ولعلهم يريدون أن يأتوا بأتراك يحلون محل هؤلاء المنفيين، فيسهل جعل البلاد السورية كلها تركية.
ولم يكتفوا بالتنكيل بالأحياء تقتيلاً وتصليبا ومصادرة ونفياً بقساوة على الأطفال والمخدرات تنفطر لمجرد تصورها القلوب وتذهب الأنفس حسرات، بل وصل حقدهم على العرب إلى إهانة الأمراء فتجرأوا على قبر الأمير الأبر المجاهد النقي الزاهد، مولانا الشريف عبدالقادر الحسيني بإهانته وتحقيره.
وأي مسلم، بل أي بشر، يرضى لقومه بمثل هذا الظلم والخسف؟ وقد جعل الله تعالى أمر نفي المرء من وطنه مقارباً لأمر قتاله ليرتد عن دينه وسبباً لمشروعية القتال؛ فقال تعالى في تعليل الإذن بالجهاد: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير. الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق)... الآية، وقال في شأن معاملة غير المسلمين بالعدل والبر والإحسان: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون).
وأما نصيب الحجاز وسكان الحرمين الشريفين من هذه الأرزاء، فلو سكتنا على ما كان من بوادره وأوائله، لطغى مدّه حتى لا يعلم إلا الله أين يكون حده، وساقوا إلينا الألوان الكثيرة من جنودهم المنظمة مستكملة الأسلحة والذخائر، وهم يعلمون كما نعلم أن الحجاز لا يهاجمه أحد من الدول المتحاربة حتى يحتاج إلى قوة مدافعة، وأنهم في أشد الحاجة إلى هؤلاء الجنود في ميادين القتال، فلم يبق إلا أنهم يريدون أن يفعلوا في الحجاز ما فعلوه في سوريا والعراق ليتم لهم القضاء على الأمة العربية في دارها وموطن منعتها وعزها وفخارها، ويذيقوا هذا الحرم الذي جعله الله آمناً، تجبى إليه ثمرات كل شيء، ما أذاقوا جنة الدنيا (الشام) من الجوع والخوف ويسلبوه ما منّ الله عليه به وامتن به على سكانه في كتابه العزيز، فكان وجود هذه الجنود سبباً لمنع ورود الأقوات على الثغور الحجازية، وعليها مدار معيشة البلاد، وسبباً لمنع ورود الحجاج إليها، ولا كسب لأهلها إلا منهم، فاشتد الضيق حتى اضطر كثير من أبناء الدرجة الثانية من الأهالي إلى بيع أبواب بيوتهم خشية أسباب الهلاك، عن قوم جعلني الله راعياً مسؤولاً عنهم، وسبب منع سواد المسلمين الأعظم من إقامة ركن من أهم أركان دينهم. ولو كان ذلك البلاء في سبيل الدفاع عن الأوطان أو المصلحة الراجحة للإسلام، لتحملته البلاد بالافتخار ولساوى فيه الشرفاء والموسرون غيرهم ولو بالاختيار، ولكنه كما أسلفنا ضد مصلحة الإسلام والمسلمين.
فيا أيها الإخوان المسلمون...
إننا قد وصلنا إلى حال من الخطر، لم يسبق لها في الإسلام نظير، كان لنا دول عزيزة قوية، أفضلها دول أسلافنا العربية، وقد ورثتها هذه الدولة العثمانية، فكنا نحن العرب أحرص الناس على حياتها، مع كونها هي التي خذلت اللغة العربية، وانتحلت لنفسها منصب الخلافة دون الدول التركية والكردية قبلها، وكنا نحن، أمراء مكة وشرفاءها، أخلص زعماء العرب وغيرهم لها، على حرمانها بلادنا، مهبط الوحي والعرفان من علوم الدين والدنيا، كل ذلك حرصاً منّا ومن العرب كافة على أن يكون للإسلام دولة قوية تحفظ استقلاله وتنفّذ شرعه ولو في الجملة.
وقد صار أمر هذه الدولة إلى جمعية اغتصبت حق آل عثمان الكرام بقوة الثورة وجعلته في أيدي زعانف ليس لأكثرهم في الشعب التركي الإسلامي أصل راسخ، ولا في الإسلام علم صحيح، ولا عمل صالح، كأنور باشا وجمال باشا وطلعت بك، وكان من سوء تصرفهم فيها وفينا ما أجملناه لكم في هذا المنشور، وقد كانت مقاومة إخواننا الترك لهم أشد من مقاومة العرب. أما نحن، فكنا كلما سمعنا أو رأينا شيئاً من هجماتهم على الإسلام ندفعه بالتأويل، إلى أن أعيانا التأويل، وكلما علمنا منهم أو على العرب ذنباً نقول لعله ذنب عارض يرجعون عنه بعد قليل، ولا نستغل مقاومتهم لأجله، لئلا يترتب عليه صدع في الدولة، يزيد ويوقع التفرقة بين العرب والترك، حتى إنني ساعدتهم على مقاومة قومي ومقاومة أبناء أبي وأمي، فلم يرضهم كل ذلك من العرب.
ولما رأيناهم عرضوا استقلال هذه الدولة التي نحرص عليها للزوال، ولم يبقوا على كرامة الدين ولا على أحكام الشرع، ولا على استقلال السلطان، ولم يبق من سبب نحتمل لأجله منهم هذا الخسف والهوان، ولما وصل سيل طغيانهم إلينا، في حرم ربنا الذي أكرمنا بخدمة بيته وإقامة دينه وحرم جدنا ورسولنا، عليه الصلاة والسلام، الذي نحفظ من حديثه الصحيح: (إذا ذلت العرب، ذل الإسلام)، اضطررنا إلى مقاومة بغيهم من أسلم الطرق، وهي حصر جنودهم في معاقلها، من غير أن نبادلهم بقتال، فمن سلّم منهم سلم، ومن قاتلنا كانت جنايته على نفسه، فما كان من حاميتهم بمكة إلا أن فعلت ما يعد برهاناً على ما تكن صدورهم للدين والعرب، وهو رميهم للبيت العتيق الذي أضافته العزة الأحدية لذاتها العلية في قوله تعالى: (وطهّر بيتي للطّائفين)، وهي قبلة المسلمين، وكعبة الموحّدين، بقنبلتين من مدافعهم بحصن (جياد)، عندما علموا بقيام البلاد بالمطالبة باستقلالها، وقعت إحداهما فوق الحجر الأسود بنحو ذراع ونصف، والثانية تبعد بمقدار ثلاثة أذرع، فالتهبت بنارهما أستار البيت حتى هرع الألوف من المسلمين لإطفاء لهيبه بالضجيج والنحيب، واضطروا إلى فتح باب البيت والصعود إلى سطحه للتمكن من إطفاء اللهيب، وما انتهى أمرهم بهذا حتى عززوا الاثنتين بثالثة وقعت في مقام إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، وهذا عدا ما وقع من القذائف في بقية المسجد الذي اتخذوه هدفهم الوحيد في غالب مقذوفاتهم بالقنابل والرصاص، ومازالوا يقتلون الثلاثة والأربعة في نفس المسجد كل يوم حتى تعذر على العباد التقرب من الكعبة المشرفة. وفي هذا من الاستهتار بالدين، وازدراء بيت الله تعالى، والإلحاد فيه ما نترك القول والحكم فيه أيضاً لملة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بعد تذكيرهم بقول الله عز وجل: (ومن يرد فيه بإلحاد نذقه من عذاب أليم) ، وتذكيرهم بأن الجاهلي كان يرى قاتل أبيه في هذا المسجد فلا يمسه بسوء. نعم، نترك الحكم في هذا الاستخفاف والازدراء للعالم الإسلامي، ولكننا لا نترك مشاعر ديننا وشعائره ألعوبة في أيدي الاتحاديين، ولانبيح لهم التصرف في حرم الله ورسوله ما استباحوا في ديار الشام، ولا في الأستانة نفسها، ولا نسكت لهم على شيء من بغيهم على أحد من أبناء جنسنا؛ إذ لم يعد في السكوت مصلحة راجحة لا للدين ولا للدولة، بل صارت المصلحة الإسلامية والعربية، وهما متلازمتان، في مقاومة هذه الفئة الباغية.
ولما كان أمر حماية الحجاز من هذا البغي والعدوان، وإقامة ما فرضه الله فيه من الشعائر الإسلامية، ووقاية العرب والبلاد العربية من الخطر الذي استهدفت له الدولة العثمانية بسوء تصرف هذه الجمعية الباغية، كل ذلك لا يتم تداركه إلا بالاستقلال التام، وقطع كل صلة بهؤلاء السفاكين للدماء الناهبين للأموال. وقد هبت البلاد بتوفيق الله تعالى للنهوض بأمر استقلالها، بعد أن ضربت على أيدي عمال الاتحاديين ورجال حامياتها، فاستقلت فعلاًً وانفصلت عن البلاد التي لم تزل تئن تحت سلطة المتغلبين من الاتحاديين انفصالاً تاماً مطلقاً، بكل معاني الاستقلال الذي لا تشوبه شائبة؛ فليس ثمة مداخلة أجنبية ولا تحكم خارجي، جاعلة مبدأها وغايتها، نصرة دين الإسلام، والسعي لإعلاء شأن المسلمين، والمساواة الشرعية في الحقوق بينهم وبين جميع من يدخل في حوزة استقلالها من المخالفين، قائمة في كل أعمالها على أساس حكم الشرع الشريف الذي لا يكون لنا مرجع سواه، ولا مستند إلا إياه في جميع الأحكام وأصول القضاء وفروعه، مع استعدادها لقبول ما ينطبق على أصول الدين ويلائم شعائره من أنواع فنون الترقي الحديث وأسباب النهضة الصحيحة، باذلة كل ما في الجهد والطاقة لإعزاز العلم وتعميمه بين الناس على اختلاف الطبقات، وعلى حسب الحاجة والاستعداد.
هذا ما قد قمنا به، لأداء الواجب الديني علينا، راجين من إخواننا المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، أن يؤدوا كذلك ما يرونه واجباً لنا عليهم من إحكام روابط الإسلام والتناصح على البر والتقوى، وليعلموا أننا قد قمنا بما قمنا به ونحن نعتقد اعتقاداً راسخاً أنه أفضل خدمة للإسلام، وإذا لم تتحقق به أماني المسلمين الصادقين، حتى الترك منهم، فإنه لا ضرر فيه يوازي عشر معشار الضرر في تركه، وستظهر لهم الأيام حقيقة ذلك، فليصبروا إن الله مع الصابرين، والله نسأل وبحبه وحب رسوله نتوسل أن يتولانا بالتوفيق ويمدنا بالهداية إلى ما فيه خير الإسلام والمسلمين، والاعتماد على الله العلي الكبير، وهو حسبنا ونعم النصير.

شريف مكة وأميرها/ الحسين
هكذا وضح الشريف الحسين بن علي في بيانه الجامع المانع أسباب تفكيره بالثورة، وإنقاذ العرب، بل المسلمين، من براثن الحقد الأعمى للاتحاديين على غير الأتراك أيا كانوا، ومع كل ما فعله الاتحاديون بالعرب خاصة، تريث الشريف الحسين في إعلان ثورته، وعندما زجّ الاتحاديون الدولة العثمانية في أتون الحرب العالمية الأولى متجاهلين نصيحة الشريف الحسين بن علي بأن يظلوا على الحياد، رأى الشريف – على الرغم من ذلك - ضرورة الوقوف إلى جانب الدولة العثمانية، كما رأى العرب ذلك، وكان اتجاههم العام أن يؤازروها ويدعموا مجهودها الحربي، معتبرين أن واجبهم يقضي بتأجيل مطالبهم القومية إلى ما بعد انتهاء الحرب، غير أن الإجراءات التعسفية التي اتخذها الاتحاديون، ومنها إعداد خطة للفتك بالشريف وأولاده والقضاء على استقلال الحجاز، أدى إلى تغيير المواقف.
وكانت الحكومة البريطانية قد أرسلت إلى الشريف تعرض عليه أن يتولى قيادة العرب، وينضم إلى صفوف الحلفاء، فرفض في البداية، ولكن الأسلوب الغادر الذي اتبعه الاتحاديون جعله يعيد النظر، فكلف ابنه الأمير فيصل أن يتحرى في دمشق عن مدى قوة الحركة القومية العربية، وأن يسأل القوميين العرب عن رأيهم في العرض الذي قدمته بريطانيا، وعن شروطهم للتفاوض مع الحكومة البريطانية إذا مضى الاتحاديون في غيّهم وبغيهم.
وقد وافق أحرار العرب على التفاوض مع الحكومة البريطانية، وحددوا لذلك شروطاً أهمها أن تعترف بريطانيا باستقلال البلاد العربية.
وعاد الأمير فيصل إلى مكة في حزيران 1915م وهو يحمل ميثاق القوميين العرب، وتفويضهم الشريف الحسين بن علي التحدث بأسمائهم، وعقد أي اتفاق يراه ملائماً. غير أن الشريف ظل على حرصه والتزامه تجاه الدولة العثمانية، على الرغم من كل ما فعله الاتحاديون، وعلى الرغم من نجاح مفاوضاته مع بريطانيا (مراسلات الحسين - مكماهون)، وحصول العرب على تعهد بريطانيا بأن تمدهم بالعون، وأن تعترف باستقلالهم ووحدتهم ضمن مملكة عربية تحفظ لهم مكانتهم. على الرغم من ذلك كلّه بذل الشريف محاولة أخيرة مع الاتحاديين فعرض عليهم في آذار من عام 1916م المطالب التالية:
1. إعلان العفو العام عن المتهمين السياسيين.
2. جعل الحكم في سوريا والعراق لا مركزياً.
3. الاعتراف باستقلال الحجاز الداخلي وجعل إمارته وراثية في أبناء الشريف.
وقد تعهد الشريف الحسين - في حالة القبول بهذه المطالب - بأن يحشد القبائل العربية للجهاد، وأن يتولى أبناؤه قيادتها في ميداني العراق وفلسطين. ولكن الاتحاديين لم يستجيبوا لهذه المطالب، بل أعدموا نخبة من الأحرار العرب في 6 أيار 1916م، فما كان من الشريف إلا أن دعا إلى حمل السلاح وأعلن ثورته الكبرى يوم 10 حزيران 1916م، وكانت تلك الثورة إنجازاً هاشمياً لايبارى.

الثورة العربية الكبرى
(1916 ـ 1918) م
كانت الأخوة الإسلامية تجمع العرب والترك في إطار الدولة العثمانية التي أحكمت سيطرتها على بلاد الشام بعد أن تمكن السلطان العثماني من هزيمة جيوش المماليك في معركة مرج دابق عام 1516 م. ونقل العثمانيون الخلافة الإسلامية إلى أيدٍ غير عربية متجاهلين الحديث النبوي الشريف: « الأئمة من قريش ».
وحارب الأتراك العثمانيون منذ بداية عهدهم اللغة العربية، فثبتوا اللغة التركية لغة رسمية للدولة، ولم يسمحوا بكتابة الرسائل الرسمية إلا بها، ومنعوا تداول الكتب العلمية والدينية المكتوبة باللغة العربية، ودعموا نفوذهم وبسطوا سيطرتهم على رعايا الدولة، بمن فيهم العرب، باسم الدين.
وعانت بلاد الشام من حالة الركود الاقتصادي والتخلف الاجتماعي والتعليمي طوال العهد العثماني الذي استمر نحو أربعة قرون (1516 ـ 1918) م، وكان المفكرون العرب ينادون بإصلاح الدولة حفاظاً على الإسلام الذي يربطهم بالدولة العثمانية التي لم يكن رجالها يجاهرون بأن هناك أمة حاكمة وأمة محكومة.
وكان السلطان عبد الحميد قد أعلن في عام 1876 م إثر توليه السلطة دستوراً للدولة العثمانية منح فيه الدولة المساواة المدنية والسياسية، ونص على تشكيل مجلس أمة يتألف من: مجلس المبعوثان (النواب)، ومجلس الأعيان. وحد هذا الدستور من سلطات السلطان المطلقة، وأوجب التعليم الإجباري، وأباح حرية النشر والصحافة، وجعل دين الدولة الإسلام. غير أن السلطان علق العمل بهذا الدستور، فظل معطلاً نحو ثلاثين عاماً، إلى أن أرغمت ثورة (جمعية تركيا الفتاة) السلطان عبد الحميد الثاني على إعادة العمل به، ورفعت هذه الجمعية شعارات تؤكد نيتها في العمل على ضمان حقوق شعوب الدولة العثمانية. وأمل العرب أن يؤدي ذلك إلى تحسين أوضاعهم، وأن يتم التعامل معهم على أساس المساواة مع الشعوب الأخرى، وأن يسمح لهم بالحفاظ على تقاليدهم ولغتهم العربية. غير أن (جمعية الاتحاد والترقي)، التي تزعم عناصرها الثورة، عام 1908 م، اتسمت باتجاه قومي طوراني، ويتمثل هذا الاتجاه في إحياء أمجاد الأتراك الأوائل، وتخليص الفكر التركي من المؤثرات الخارجية، العربية وغيرها، والسعي من خلال اتباع سياسة التتريك إلى طمس معالم الثقافة العربية واللغة العربية.
ودعت الجمعيات العربية الكبرى، مثل: (الجمعية العربية الفتاة) السرية، و (حزب اللامركزية الإدارية العثماني) العلني، دعاة التتريك إلى التفاهم وإنصاف العرب، وذلك في أعقاب مؤتمر عقدته هذه الجمعيات في باريس عام 1913 م. وقد تركزت مطالب العرب في هذا المؤتمر في: تطبيق اللامركزية، وتعليم اللغة العربية إلى جانب اللغة التركية، وإنصاف العرب. غير أن الاتحاديين ماطلوا في تنفيذ هذه المطالب، بل مارسوا سياسة القمع والعنف ضد المواطنين العرب، كما مارسوا جميع أشكال الاضطهاد والتمييز العنصري ضد القوميات، وخاصة القومية العربية.
وكانت في تلك الأثناء قد تبلورت نهضة عربية غذاها المفكرون الرواد الذين ظهروا في ربوع الوطن العربي خلال القرن التاسع عشر، ومنهم رشيد رضا، وعبد الرحمن الكواكبي (1839 - 1903) م الذي أنكر في كتابه (أم القرى) حق العثمانيين في الخلافة الإسلامية على اعتبار أن النسب القرشي شرط أساسي للخلافة، وطالب بإعادة الخلافة الإسلامية إلى العرب.
وقد اصطدم النهضويون العرب بخطة الاتحاديين العقيمة نحو العروبة والإسلام؛ فقد طالبوا مجلس (المبعوثان) رسمياً بجعل دولة الخلافة بلا دين، بل تجاهلوا شأن الإسلام ورأوا فيه وسيلة من وسائل تقهقرهم وضعف حالهم، ورأوا أيضاً أن التراث الإسلامي ما هو إلا مجموعة من الأفكار العتيقة التي لا تصلح لزمانهم. وتجرأ الاتحاديون حتى على أركان الإسلام فاستبدلوا بالصلاة والصوم والزكاة والحج والشهادة أركاناً أخرى هي: الفعل، والأخلاق الحسنة، والجهاد بالحرب والمال والبدن، والاتحاد تحت لواء السلطة التركية العظيمة لتحصيل لوازم الحرب، وكلمة الشهادة. وقد وردت في الأعداد الأولى من جريدة (القبلة ) عدة مقالات تتناول تمادي الاتحاديين في الجرأة على الإسلام، ومحاولاتهم جعل الدين ركيزة أو أساساً لحكمهم الفاسد.
ويضاف إلى مواقف الاتحاديين تجاه العروبة والإسلام ما كانت تعانيه الدولة في عهدهم، وخاصة الولايات العربية، من جوع وفقر مدقع، وانتشار للأمراض ، فضلاً عن الجهل وكثرة الضرائب والسخرة والحروب التي أضاعت خلال فترة قصيرة لا تتجاوز ثماني سنوات نحو ثلث الدولة العثمانية، وحملت الثلثين الباقيين بالديون الباهظة، وذلك كله خلال تولي الاتحاديين السلطة.
وقد تجاوز الاتحاديون كل الحدود عندما أخذوا يقومون بشراء الأراضي في فلسطين ويقدمونها للصهاينة، وهو الأمر الذي طرحه العرب في مجلس (المبعوثان) أكثر من مرة دون فائدة.
وأمام هذا الواقع المرير، الذي زاده مرارة قيام الاتحاديين بزج الدولة العثمانية في أتون الحرب العالمية الأولى رغم محاولة أحرار العرب ثنيهم عن ذلك، تأكد العرب من أن الثورة هي السبيل الوحيد للتخلص من نير الاتحاديين الأتراك، وتوجه أحرار العرب بأنظارهم نحو الحجاز لأن أهله ـ كما ورد في العدد الثاني من جريدة (القبلة) ـ هم أهل الحل والعقد في مثل هذه الأمور، ولأن الحجاز يتمتع بنوع خاص من الاستقلال الإداري.
وقد بايع أحرار العرب شريف مكة، الحسين بن علي، الذي أطلق عليه لقب (الفاروق الثاني) ليقودهم إلى النصر. واستجاب شريف مكة الذي غضب لدينه ولقومه فلبى وأعلن ثورته المباركة بتاريخ 9 شعبان سنة 1334 هـ الموافق 10 حزيران 1916 م، مؤكداً أن العرب وقد أعلنوا ثورتهم فإنهم لا يقاتلون الأتراك ولا غيرهم من الملل، وإنما يحاربون الاتحاديين الذين طغوا وضرب الله على سمعهم وختم على قلوبهم.
وهكذا انطلقت الثورة العربية الكبرى بهدف حفظ كرامة العروبة، والعودة إلى الإسلام الصحيح. وقد أصدر الشريف الحسين بن علي بياناً وضح فيه أسباب الثورة وأهدافها ودوافعها، وكانت على النحو التالي:
1 ـ رفض الاتحاديين شروط الشريف الحسين التي حددها من أجل دعمهم والوقوف إلى جانبهم في الحرب،
2 ـ سياسة القمع التي مارسها الاتحاديون ضد العرب وأحرارهم؛فقد أعدموا عدداً منهم بتهمة التآمر على الدولة العثمانية، ويذكر هنا ما قام به جمال باشا (السفاح) في 21 آب 1915 م و 6 أيار 1916 م عندما أعدم عدداً من القيادات الوطنية في بلاد الشام.
3 ـ خنق الحريات العامة، وحرمان المواطنين العرب حتى من أقل الحقوق التي يجب على أي دولة توفيرها لأبنائها.
4 ـ عدم تجاوب الدولة العثمانية مع المطالب العربية بالإصلاحات الإدارية والسياسية والاقتصادية، ووضع حد للفساد الذي استشرى في أجهزة الدولة.
5 ـ سياسة التتريك التي اتبعها الاتحاديون، وتوجههم الحازم نحو العلمانية، وإساءتهم للدين الإسلامي وقيمه، بل وتحريف أركانه بما يخدم مصالحهم وأهواءهم.
6 ـ إرغام الأهالي العرب على الالتحاق بالخدمة العسكرية الإجبارية وزجهم في أتون معارك الاتحاديين الخاسرة.
7 ـ حفظ المنطقة العربية من الأخطار الناجمة عن أطماع الدول الكبرى.
8 ـ تجاهل استغاثات الشريف الحسين بالحكومة الاتحادية عندما فرضت القوات البريطانية الحصار البحري على الحجاز في أثناء الحرب العالمية الأولى، مما أدى إلى انقطاع موسم الحج وحال دون وصول الإمدادات الغذائية من مصر إلى الحجاز.
لقد قامت الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف الحسين بن علي للأسباب المذكورة ، معلنة رفضها للتخلف والاستبداد والظلم والفساد والقسوة، وجاءت رداً على رفض الأتراك مطالب العرب العادلة، وجعلهم البلاد سجناً كبيراً، وتفريطهم بالأوطان.
وكانت ثورة الأمة العربية تهدف إلى حصولها على الوحدة والحرية والاستقلال.
ويمكن تلخيص أسباب الثورة العربية الكبرى بما يلي:
1. تزايد القيود والإجراءات التركية المتعلقة بالحريات والتنقل في الولايات العربية، والتنكيل بأحرار العرب.
2. فرض سياسة التتريك، ومحاربة اللغة العربية واستبعاد استخدامها في الكتابة والمراسلات.
3. فرض التجنيد الإجباري، وسوق الشباب العرب إلى جبهات القتال البعيدة التي لم يعد منها حياً إلا القلة.
4. إهمال الشعب، وتزايد حالات المرض والفقر.
5. فقدان الأمن في الولايات العربية.
وقد عزز الشعور القومي العربي، وتدفقه بين الجوانح، والإحساس بضرورة التحرك لإماطة النير التركي البغيض ظهور حركات التحرر في أوروبا ونجاحها في الانسلاخ عن الدولة التركية؛ فقد بدأ العرب يفكرون في أن من حقهم أيضاً نيل الحرية والاستقلال.
وقد توافرت لدى الشريف الهاشمي الحسين بن علي صفات وخصائص جعلت العرب يولّونه أمرهم، ويلقون إليه بزمام قيادتهم؛ فهو:
1. أمير هاشمي قرشي، والأئمة ، كما يقول الرسول ، صلى الله عليه وسلم، من قريش.
2. أمير مكة وخادمها، وقد جعل له هذا المنصب مكانة مرموقة في نفوس العرب المسلمين جميعاً، وخاصة القبائل العربية التي كان على صلة دائمة مع زعمائها وشيوخها.
3. معروف بتوجهه نحو الاستقلال والسيادة، وقد توافرت لديه النزعة إلى ذلك منذ نفيه إلى استانبول عام 1893م.
وقد أطلق الشريف الحسين بن علي رصاصة الثورة العربية الكبرى قُبيل فجر يوم السبت 9 شعبان 1334هـ / 10 حزيران 1916م، ولما بلغ صداها مسامع جيشه الكامن حول ثكنات الأتراك اندفع سيل النار من بنادقه، فانتبه الأتراك مذعورين، وأسرعوا إلى مدافعهم قبل أن يصل إليها العرب، فأطلقوا القذائف في كل اتجاه وبشكل عشوائي، مع أنهم كانوا يركزون بعض رمايتهم على قصر الشريف الذي كان جالساً فيه يتابع الأحداث.
وتذكر بعض المصادر الموثوقة أن الأتراك أطلقوا في اليوم الأول للثورة عدة قذائف مدفعية انصب كثير منها على قصر الشريف الذي ظل يتعرض لإطلاق النيران مدة خمسة وعشرين يوماً، والشريف مثابر على عادته في الجلوس فيه، يضع الخطط لإنجاز العمل الذي نهض له.
والجدير بالذكر أن أحرار العرب كانوا يخططون لقيام الثورة في الحجاز وسوريا في آن معاً، غير أن المجازر التي ارتكبها أحمد جمال (المعروف بالسفّاح) ، وقيامه بنقل الفرق العربية من سوريا إلى ميادين القتال الأخرى جعلت من المتعذّر قيام الثورة في سوريا، مما ألقى العبء كاملاً على كاهل الحجاز.
وامتدت عمليات الثورة العسكرية في عام 1917م إلى شرقي الأردن باعتباره مفتاح سوريا الطبيعية من جهة الجنوب.
لقد سار الثائرون من مكة المكرمة ليلتقوا بإخوة لهم ينتظرون على طول الطريق من الحجاز إلى الشام، وكانت قبيلة الحويطات في جنوبي الأردن أول من لبى نداء الثورة من الأردنيين؛ إذ اتصل شيخها عودة أبو تايه بالأمير فيصل، قائد الجيش العربي الشمالي، وأعلن انضمام قبيلته إلى الثورة.
ومنطقة معان والشراة هي الموطن الأصلي لقبيلة الحويطات الذين عرفوا بسيطرتهم على المنطقة، وعاصمتهم البترا، هذا إن كانوا من أصل الأنباط. في حين هناك باحثون من القطر العراقي الشقيق يقولون إن الحويطات من (حوطة بني تميم) في العراق، وبهذا يكون العراق الموطن الأصلي لعشيرة الحويطات، والأصل في هذه التسمية يعود إلى (حوطة) المعروفة بملكيتها إلى قبائل تميم في العراق.
وتنقسم الحويطات إلى الفروع الرئيسية التالية:
- حويطات تهامة، حويطات الجازي، حويطات التوايهة، حويطات النجادات.
ومن بين هذه العشائر:
التياهي: وهم عرب من بئر السبع وسيناء، وقد اندمجوا بالحويطات لأن التياهي يتشابهون كثيراً مع (تايه) كما يتشابهون في بسطة الجسم. ومن المعروف جيداً أن الحويطات ظلوا قبيلة واحدة موحدة حتى نهاية القرن التاسع عشر إلى أن حصل الخلاف بين الزعيمين عرار بن جازي وعودة أبو تايه فانقسمت القبيلة قسمين: الجازي وأبو تايه، وكل قسم استقطب فرعاً من فروع القبيلة.
وكانت منطقة الجفر المفضلة عند عودة أبو تايه، لذلك كان يتردد عليها كثيراً، وكان يملك فيها قصراً فخماًحوله إلى قلعة حربية ومخزناً للأسلحة بعد الحرب العالمية الأولى والثورة الكبرى.
وفي 9 أيار عام 1917م توجه عودة والشريف ناصر بن علي في مجموعة قليلة من الفرسان نحو العقبة، فقطعوا مواصلات العدو، وحرضوا أبناء القبائل النازلة هناك، فانضموا إلى الثورة، وتمكنت هذه الفئة القليلة من القيام بمهمتها بنجاح وسهلت للجيش العربي الشمالي احتلال العقبة في 6 تموز عام 1917م. وباحتلال العقبة تم الاتصال بين الجيش العربي وجيش الحلفاء الذي كان يقوده الجنرال أللنبي Allenby، وبين الجيش العربي والقيادة البريطانية في القاهرة. وبينما كانت القوات البريطانية تتقدم في جنوبي فلسطين فتحتل بئر السبع وغزة ويافا والخليل وبيت لحم، وتستولي على القدس في أواخر تشرين الأول عام 1917م، أخذت القوات العربية في مناوشة القوات التركية في معان والمناطق المجاورة لها. وفي منتصف كانون الثاني 1918م استولت على الطفيلة والشوبك. وبعد مناوشات بين الإنكليز والأتراك حول مدينتي السلط وعمان، أعد الأمير فيصل حملة لاحتلال الأزرق، وقد تمكنت هذه الحملة من إنجاز مهمتها، ثم انطلقت لمهاجمة محطة خربة غزالة قرب درعا، ومن ثم احتلت درعا في 28 أيلول عام 1918م.
واضطر الجيش التركي إلى الانسحاب من عمان، وتوجه إلى دمشق، ولكنه بسبب ضغط جيش الثورة ما لبثَ أن غادرها، ودخلتها قوات الأمير فيصل في اليوم الأول من تشرين الأول عام 1918م. وقد أسهم الأردنيون إسهاماً فعالاً مع جيش الثورة العربية في العمليات العسكرية التي انتهت بتحرير بلادهم من النير العثماني. وهكذا ارتبط مصير الأردن في تلك المرحلة من العهد الفيصلي بما كان يجري من أحداث في بلاد الشام والشرق العربي كله. ففي اليوم الثالث من دخول فيصل إلى دمشق، طلب الجنرال اللنبي، القائد العام لقوات الحلفاء في البلاد، من فيصل أن يقيم إدارة عسكرية عربية في المنطقة الواقعة شرق نهر الأردن والممتدة من العقبة إلى دمشق، على أن يكون حكامها العسكريون وموظفوها المدنيون من العرب وأن يكون ارتباطهم بالأمير، الذي يكون مسؤولاً أمام أللنبي طوال مدة الحرب. وطبيعي أن ذلك سبب خيبة أمل كبيرة للأمير والزعماء العرب الذين صدقوا الوعود والتصريحات التي أصدرها الحلفاء إبان الحرب والتي كانت تؤكد أنهم سيحظون بالاستقلال، وبعد لقاء فيصل - اللنبي بيومين، ألّف فيصل أول حكومة عربية بدمشق برئاسة الفريق علي رضا الركابي.
وهكذا خاضت الثورة العربية الكبرى حروباً بمستوى عمليات الحرب العالمية الأولى، وحققت انتصارات كبيرة، وقدمت للعرب نموذجاً في النصر والإنجاز واعترف الحلفاء بفضل الثورة العربية الكبرى في تحقيق النصر في مسرح الحرب العام، وتوج انتصار الثورة بدخول الجيش العربي إلى دمشق يوم الثاني من تشرين الأول من عام 1918م لتبدأ مرحلة الدولة العربية الدستورية بقيادة الأمير فيصل بن الحسين.
وتوالت الأحداث بعد ذلك بسرعة، وتبين من مواقف الحلفاء أنهم لاينوون الوفاء بوعودهم للشريف الحسين بن علي وتأمين استقلال العرب، ولذلك عقد أهل البلاد السورية بمن فيهم الأردنيون مؤتمراً وطنياً قرر في 8 آذار 1920م إعلان استقلال سورية بما فيها الأردن وفلسطين والمناداة بالأمير فيصل ملكاً دستورياً عليها.
غير أن بريطانيا وفرنسا لم تعترفا بذلك وعرضتا الأمر على المجلس الأعلى لعصبة الأمم في مدينة سان ريمو، في إيطاليا، في الفترة من 18 – 26 نيسان 1920م، فقرر وضع البلاد العربية الواقعة ضمن المستطيل الممتد من شاطىء البحر المتوسط إلى الحدود الإيرانية تحت الانتداب، وتجزئة البلاد السورية إلى ثلاثة كيانات منفصلة هي: فلسطين، ولبنان، وبقية الأرض السورية. كما أقر المجلس أن توضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني مع الالتزام بتنفيذ وعد بلفور، وأن توضع سورية ولبنان تحت الانتداب الفرنسي. وكان بعد ذلك أن قدم غورو إنذاره الشهير للملك فيصل، وكانت معركة ميسلون الحاسمة على أبواب دمشق في 24 تموز 1920م، وغادر فيصل، الذي نحي عن عرش سورية، دمشق. وكان شرق الأردن قد قسم في عهد فيصل إلى ثلاثة ألوية هي: لواء الكرك ومركزه بلدة الكرك وتتبعه أقضية الطفيلة ومعان والعقبة ونواحي الشوبك وذيبان وتبوك، ولواء البلقاء ومركزه السلط ويتبعه قضاء الجيزة وعمان وناحية مأدبا، ولواء حوران ومركزه درعا وتتبعه أقضية أزرع والمسمية وبصرى الشام وعجلون وجرش.
وعند انسحاب فيصل من دمشق ودخول القوات الفرنسية إليها، حرص الفرنسيون على ألا تتوغل قواتهم في أراضي شرق الأردن، وهكذا غدا الأردن في هذه المرحلة بلا حكومة ولا جيش ولا قوى لحفظ الأمن، واستغل البريطانيون هذا الوضع ، فالتقى المندوب السامي البريطاني في فلسطين، هربرت صموئيل، وأعيان شرق الأردن، في السلط، وأعلن المندوب السامي في هذا اللقاء أن الحكومة البريطانية لا تقصد إلحاق شرق الأردن بإدارة فلسطين، بل تريد تأسيس إدارة منفصلة، يتولى الأمر فيها معتمدون سياسيون بريطانيون وتكون مهمتهم تنظيم الإدارة والقضاء والأمن والضرائب، ويتعاونون مع عناصر محلية من أهل البلاد، ويعملون على مساعدة الأهالي من دون أن يفرضوا عليهم الخدمة العسكرية الإجبارية. وفي أعقاب هذا الاجتماع، عين هربرت صموئيل عدداً من الضباط الإنكليز لتأسيس الإدارة الجديدة. وتألفت حكومة محلية في إربد برئاسة القائم مقام علي خلقي الشرايري، وحكومات محلية أخرى في عجلون والرمثا وجرش والكرك وسواها. ولم تستطع هذه الحكومات المحلية أن تواجه المشكلات العامة، أو أن تحسن الأوضاع المتدهورة في البلاد، الأمر الذي نجم عنه شيوع الفوضى والاضطراب  في أثناء هذه المرحلة التي امتدت من أيلول 1920م حتى نيسان 1921م.
وكانت ردة فعل الشريف الحسين بن علي  وابنه الأمير عبدالله، على إخراج الملك فيصل من سورية في آب 1920م، غاضبة، كما اتصل كثير من رجالات السياسة وشيوخ القبائل بالشريف الحسين طالبين منه التحرك لتحرير الشام مما ألم بها. وكان الأمير عبدالله المرشح الأمثل لقيادة حملة التحرير. وفعلاً كلفه والده القيام بهذه المهمة. وبلغ الأمير عبدالله معان في 21 تشرين الثاني 1920م فأقام فيها، وبدأ اتصالاته بأعيان بلاد الشام لحشد الناس وتهيئتهم للقيام بثورة على المحتلين، وعندئذ اضطر هربرت صموئيل إلى توجيه الدعوة إلى الأمير عبدالله لمقابلة تشرشل في القدس للتباحث معه. وقد انتهت هذه المباحثات، التي بذل فيها الأمير عبدالله جهوداً كبيرة وأظهر حزماً واضحاً، بالاتفاق على إقامة حكومة وطنية في شرق الأردن برئاسة الأمير عبدالله تكون مستقلة استقلالاً إدارياً وتساعدها بريطانيا في توطيد الأمن، وتسترشد برأي مندوب بريطاني يقيم في عمان. كما نصّت على إنشاء قاعدتين للطيران على ألا تستخدما للهجوم على سورية أو فلسطين. وقد وقعت هذه الاتفاقية في 26 آذار 1921م، وعاد الأمير عبدالله بعدها إلى عمان التي اختيرت عاصمة للإمارة نظراً لموقعها ولوجود محطة للسكة الحديدية فيها، وشرع في تنظيم شؤون البلاد وتأليف حكومة لإدارة أمورها.
ويمكن القول إن أوضاع الأردن في أواخر العهد العثماني كانت متردية على كل الصُّعد، وفي مختلف المجالات: الاقتصادية والاجتماعية والصحية، كما كان التعليم في أدنى مستوياته، وكذلك الزراعة والعمران. ومن جهة أخرى كان الأردن معرضاً للأطماع الصهيونية، وقد ظهرت تلك الأطماع منذ عام 1879م ، حيث قدمت الحركة الصهيونية طلباً إلى الدولة العثمانية لمنح البلقاء من شرقي الأردن لليهود.
واشتدت مطالبة الحركة الصهيونية بشرقي الأردن منذ عام 1916م، وأسفر ذلك عن صدور وعد بلفور في 2 تشرين الثاني 1917م؛ ذلك الوعد الذي لم يحدد الحدود الشرقية لفلسطين بضغط من تلك الحركة التي كان زعماؤها يطمعون في أن يكون شرقي الأردن ضمن الوطن القومي اليهودي. غير أن موقف الشريف الحسين بن علي كان صلباً أمام هذه الأطماع، فقد أكد في الرسائل الشهيرة التي تبادلها مع مكماهون على ضرورة استقلال البلاد العربية كلها، بما فيها فلسطين. وعندما أعلن الحلفاء في نيسان 1920م الانتداب البريطاني على فلسطين وشرقي الأردن والعراق، والانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان، اعتبر الشريف الحسين ذلك خرقاً للعهود التي قطعتها بريطانيا للعرب، وأبدى معارضة للانتداب، واستمر في مطالبه بوحدة المشرق العربي،  بما فيه الأردن وفلسطين. وقد ازدادت الضغوط على الشريف الحسين من أجل زحزحته عن مواقفه دون جدوى؛ فقد أعلن في 18 كانون الثاني 1924م: « لن أتنازل عن مبدأ واحد من المبادئ التي هي أركان النهضة العربية، ولا أتنازل عن حق واحد من حقوق البلاد، لا أقبل إلا أن تكون فلسطين لأهلها العرب، لا أقبل التجزئة ولا أقبل الانتدابات ولا أسكت وفي عروقي دم عربي عن مطالبة الحكومة البريطانية بالوفاء بالعهود التي قطعتها للعرب ».
وكانت الحركة الصهيونية قد بينت الأهمية الحيوية لشرقي الأردن، معتبرة أن مستقبل فلسطين اليهودية متوقف على شرقي الأردن، ولذلك طالب اليهود أن تشمل فلسطين: غرب الأردن وشرقه وجنوبي لبنان، وقدم وايزمن في أوائل آذار 1921م مذكرة إلى تشرشل، وزير المستعمرات البريطاني، باسم اللجنة التنفيذية للحركة الصهيونية، يطلب فيها إدخال شرقي الأردن في الوطن القومي اليهودي زاعماً أن عدد السكان في شرقي الأردن قليل جداً.
وهكذا استمرت الحركة الصهيونية في مطالبتها بضم شرقي الأردن إلى فلسطين التي أعطى بلفور وعداً بإنشاء وطن قومي لليهود فيها، واستمر الهاشميون في مطالبتهم الحثيثة باستثناء شرقي الأردن من وعد بلفور. وقد تمخضت مطالبتهم عن عقد محادثات في القدس بين تشرشل والأمير عبدالله في آذار 1921م تم خلالها الاتفاق على تأسيس حكومة وطنية في شرقي الأردن، برئاسة الأمير عبدالله.
وهكذا بدأ الأردن - بتأسيس الإمارة - عهداً جديداً هو العهد الهاشمي الحافل بالإنجازات.
والجدير بالذكر ان الشريف الحسين بن علي كان قد اصر في المباحثات التي جرت بينه وبين بريطانيا لتوقيع «المعاهدة الحجازية البريطانية» على ان تتضمن تلك المعاهدة الاعتراف باستقلال فلسطين باعتبارها جزءا من الامة العربية. ويعود تشدد الشريف الحسين في مطلبه ان تكون فلسطين جزءا من الدولة العربية المنشودة الى اسباب دينية، فهي تضم القدس بمقدساتها الاسلامية والمسيحية وابرزها المسجد الاقصى، اولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وقبة الصخرة المشرفة، علاوة على ان قضية فلسطين قضية وطنية قومية.
غير ان تشبث الشريف الحسين بالحق العربي في فلسطين واقامة الدولة العربية الهاشمية انتهى به الى المنفى في الاستانة، مفضلا المنفى على التفريط بحقوق العرب والمسلمين.
ويتجلى حب الشريف لفلسطين وتعلقه بها في انه اوصى بأن يُدفن في رحاب القدس، وكان له ما اراد، فقد دفن في 2/6/1937 في رحاب الحرم القدسي الشريف بعد ان تداعى ابناء القدس ووجهاؤها والاردنيون والفلسطينيون والعرب لوداعه والقاء النظرة الاخيرة على جثمانه الذي سجي في باحة المسجد الاقصى. ويقع ضريح شيخ الامة العربية في الرواق الغربي للحرم القدسي في المكان المعروف اليوم بـ»دار العفيفي».
رحمه الله رحمة واسعة وجعل الجنة مأواه.

 

الأستاذ الدكتور محمد عبده حتاملة
أستاذ شرف
قسم التاريخ - الجامعة الأردنية

الجمعة 2012-12-28